معرفتي بك دليلي عليك
«معرفتي يا مولاي دليلي عليك وحُبّي لك شفيِعي إليك وأنا واثقٌ من دليلي بدلالتِك وساكنٌ من شفيعي إلى شفاعتِك»
معرفتي بك يا مولاي هي هاديَّ ومرشدي نحوك. والمقصود بـ “معرفتي” هنا هو معرفتي بك، لا معرفتي بالبطاطس والبصل، أو معرفتي بالرياضيّات والهندسة والكيمياء، أو معرفتي بالمسائل الماديّة والمتعارفة. فهذه ليست دليلًا لي نحوك، مهما كانت مرتبتها. إنّ معرفتي بالمسائل الماديّة لا تثير إعجابي بالصانع إلا بقدرٍ محدودٍ كقولي: يا له من إلهٍ عجيب! ما هذه الجزيئات التي خلقها! وما هذه الخلايا التي أوجدها! وما هذا النظام والترتيب الذي أحدثه في هذه الأمور! وما هذه الأسرار المكنونة التي وضعها في عالم المادّة! وهذا فقط يزيد إعجابي بك بأنّك إلهٌ بهذه الكيفيّة، ولا يُحصّل لي أكثر من ذلك. لا أحصل على شيءٍ أكثر من هذا. فعالم الفيزياء يقضي عمره كلّه في دراسة العلاقة بين الجزيئات، بين الإلكترونات والبروتونات، ومقدار الإلكترونات والبروتونات، وكيفيّة مداراتها، هل هي كرويّة أم بيضاويّة، ومدى قربها من بعضها، وكيفيّة انفصالها عن بعضها، فهذا كلّ شيء! ولا يُحصّل له أكثر من هذا. وكلّما تعمّق وبحث في هذا المجال أكثر، ازداد اطمئنانه بأنّ صانعًا يجب أن يكون قد تدخّل في هذه القضيّة. أمّا من هو هذا الصانع؟ وما هي خصائصه وآثاره وصفاته؟ فلا يعرف من ذلك مقدار ذرّة. ولو بحث وتعمق في هذه المسألة ألف مرّة وألف سنة، فلن يفهم معنى المجرّد والمادة، ولن يتمكّن من التمييز لهذا عن ذاك، وفي النهاية يقول إنّ هناك إلهًا، من المحتمل أن يكون هو أيضًا من جنس المادّة، لكنّها مادّة أقوى وذات وسائل أكثر. ولكن لو أراد من الفيزياء أن يصل إلى التجرّد، فلو فكّر مائة مليون سنة فلن يصل. وهكذا.